RSS

من الذي يرسم لنا حدودنا الفكرية والثقافية ؟!

13 فبراير

بسم الله الرحمن الرحيم

blog 141

في كثير من الأحيان تُملى علينا توجهات وخطط فكرية لم نخترها وكانت لزامًا علينا ،حتى لو لم توافق توجهاتنا الفكرية – إن كانت موجودة من الأساس – التي نتبناها وربما هي أيضًا كنا مرغمين عليها بكل الأحوال ، وعلى غرار ذلك المثال هناك أمثلة أخرى كثيرة قد أتطرق لها لاحقًا مما يختص بالإعتقاد الإنساني والمجتمعي وربما الديني ، ولكنني لن أدخل فيما ليس لي طاقة به  – حتى هذه اللحظة على الأقل –  ؛)

مدخل ~

قبل فترة قريبة ، كنت قد بدأت في قراءة “الأخوة كرامزوف” التي كتبها الروسي الشهير “فيودور دوستويفسكي ” كما أسلفت في تدوينة سابقة ، وكل القراء الذين عرفتهم و شاركتهم هذه القراءة في الصالون الأدبي صالون الجمعة ، كانوا يمتلكون إما طبعة دار ابن رشد أو طبعة المركز الثقافي ، وكلاهما بترجمة المترجم الكبير “سامي الدروبي” الذي اشتهر في ترجمته لأشهر أعمال الأدب الروسي ، لدوستويفسكي وتولستوي وغيرهم..

كنت ربما الوحيد الذي يمتلك طبعة مختلفة تمامًا حتى أن الجميع استغرب منها وقال لي من أين حصلت على هذه الطبعة الغريبة ؟!
كانت طبعتي هي طبعة دار مكتبة الحياة ، بترجمة المترجمـ/ـة “ن.حاسبيني” .. والذي بالفعل بحثت عن معلومات عنه أو عنها فلم أجد شيئًا حتى أنني لم أجد أنهـ/ـا قد قاموا بترجمة أي أعمال أخرى عدا الأخوة كرامزوف وهذا غريب جدًا ، وكأنما خلق ليترجمها ترجمة جميلة جدًا ويختفي !

تقريبًا كان المترجم مغمورًا في “العُرف الثقافي” ، والكل يخبرني بأنني سأضيع كثيرًا من المتعة إن لم أقرأ الرواية بترجمة الأستاذ الدروبي، هنا وقعت في مأزق حقيقي ، طبعتي حصلت عليها بسعر رخيص من أحد المحافل الثقافية في دولة مجاورة وبعد كل عناء اقتنائها ونقلها ..سأضطر لإبدالها بنسخة جديدة ؟ لا والله 🙂

قمت بالحصول على نسخة دار ابن رشد بترجمة الدروبي (إلكترونيًا) ، وقمت بالحصول على نسخة إنجليزية من الرواية (إلكترونيًا ).. ثم بدأت في عملية المقارنة ..قرأت فصلًأ من طبعتي (ن.حاسبيني) ، ومن طبعة ابن رشد  (سامي الدروبي) .. وظننت قبلها بالفعل أنني سألقِ بنسختي جانبًا فنحن هنا نتحدث عن مترجم شهير وعظيم لا مثيل لصيته في ترجمة الأعمال الادبي إلا لقلة شهيرة أخرى!

ولكن ياللعجب ! ، أعجبتني ترجمة (ن.حاسبيني) بشدة ، وشعرت به سلسلة حلوة سهلة والجمل متراكبة جدًا وكأنها أُلفت بلسان عربي ، ولم أجد نفس الشيء في ترجمة الأستاذ الكبير سامي الدروبي للأسف – وبالطبع لست أقصد تقليل احترام هذا المترجم العظيم – ولكن بلا شك فترجمته ممتازة جدًا وصيته يغني أن أي مدح يجب علي تقديمه ، فالأستاذ رحمه الله أشهر من نار على علم ! ولكنني فقط لم أكن ميالاً لترجمته في هذه الرواية.

فتوكلت على الله وأكملت قرائتي في طبعتي والتي ازددت بها حُبًا  وتمنيت لو وجدت أعمالًا أخرى لنفس هذا المترجم المريح ، ولكنني لم أجد أي أثر له للأسف ، والدار حسبما وصلني مقفلة منذ زمن .. وعمومًا مع الوقت اكتشفت أشياء في كلتا الترجمتين كانت لا تعجبني .. فمثلاً لاحظت مرتين التباس في التسميات في طبعتي طيلة الرواية – وكان نادرًا جدًا بالعموم .و لكن أيضًا وجدت الأستاذ سامي – في طبعة ابن رشد – قد ترجم إسم “ليزافييتا” الروسي إلى “إليزابيث” في ترجمته وهو المرادف الإنگليزي !
( في طبعة ابن رشد فقط ، أما المركز الثقافي لنفس المترجم أيضًا قد تلافى هذا الأمر وصححه ، وهو ما أبعدني عن هذه الطبعة أيضًا  ، لا أعلم هل هذا الأمر الذي يزعجني خطأ الدار أم خطأ المترجم فعلًا ، قد لايراه أحدكم خطأً فهو مرادف بالنهاية ، ولكنه يزعجني )

الإسم له مرادفات في كل لغة .. فمن مرادفاته : إلياصابات (العربية) ، إليزابيث(الإنگليزية) ، ليزاڤييتا (الروسية) ..
المصدر : http://www.behindthename.com/name/elizabeth

من وجهة نظري بأن الأسماء في أي رواية هي شيء ثابت ولا يجوز تحويره ولا تحريفه ، فالأسماء من هوية هذه الروايات ..وتغيير الأسماء قتل لهوية الرواية ، ,فلنتخيل أن رمز رواية البؤساء الفرنسية”چان فالچان” قد تم تحوير إسمه في ترجمة ما ؟ كم سيكون هذا قبيحًا أن تقتل اسمًا يعتبر من رموز الرواية الأزلية واسما يعتبر من عبق الثقافة الفرنسية !  أو أن نؤلف رواية عربية واسم البطل “داوود” من القبيح أن يترجمه أحدهم إلى “ديفد” لاحقًا ، فنحن في تراثنا لا نسمي بهذا الإسم ، وهذا ما ضايقني فعلًا في ترجمة أستاذي سامي الدروبي (طبعة ابن رشد)  ، فقد ترجم اسم ليزافيتا إلى “إليزابيث” ، والذي وهو بالأساس (إليزابيث)  ليس اسمًا من التراث الروسي الذي هو محور كثير من روايات دوستويفسكي. كلا الطبعتين ترجمتي والترجمة الإنگليزية وضعت الإسم كما هو ولم تترجمه أو تدبلجه.
ربما كان من الأولى – على الأقل – إن كان سيدبلج هكذا ، أن يدبلج للعربية ! ” إلياصابات” بحكم أن الترجمة عربية 🙂

طبعة دار مكتبة الحياة

طبعة ابن رشد

طبعة المركز الثقافي

بلا شك ، ترجمة الأستاذ ممتازة جدًا ولا شك في ذلك ، ولكنني فقط اخترت ما ارتاح له قلبي وعقلي كقارىء حر ، رغم كثرة التوجيهات والإلزامات من جماعات المثقفين الذي يجبرونك بقولهم أنك تضيع المتعة في ترجمة غير ترجمة الدروبي – رغم أنهم لم يطلعوا على ترجمتي حتى !! – ولكن الأمر صار مجرد تعليمات وبروتوكولات في جموع المثقفين التي صارت تملي على كل قارىء ما يجب عليه قرائته وما لا يجب عليه ، حتى ولو كان على حساب مؤلفين ومترجمين جيدين ولكن ذنبهم الوحيد ” أنهم مغمورون” !

إلزم حدودك الثقافية والفكرية !! ~

هذا التحديد والحجر الثقافي يحصل أيضًا في اختيار الكتب ، فبعض الجماعات التي تتبنى مثلًا إيديولوجية معينة ، تجبر تابعيها على حجر فكري وثقافي لا يخرج فيها عن دائرة هذه الإيديولوجية ، فلا يقرأ سوى للمؤلف الذي يشابههم في التفكير أو من نفس إيديولوجيتهم !

فمثلًا كثير من القراء يحكمون على أن الروايات الجديدة والشبابية بأنها من أدنى من مستويات الأدب – وربما أوافقهم في هذا  بعض الشيء 🙂 – ويحرمون على كل قارىء جديد قراءتها لأنها لأنها لا تستحق أو أنها ستخفض ذائقته الأدبية ، بالرغم من أنني أنتهج هذا النهج في اختيار الكتب التي أقرأها !
فأنا شخصيًا غير مستعد أن أقرأ لكتاب جدد أو حتى محليين ولا لروايات تجارية وسوقية بدافع التسلية فقط – في هذه الفترة على الأقل – فتوجهاتي حاليًا نحو الأدب العالمي والأعمال العظيمة والكتب الفكرية  والفلسفية المؤثرة ، لأنني لا زلت في مرحلة إنشاء عقلي وأريد أن أحافظ على ذائقة عالية كي أميز الأدب من الـ لا أدب ! فالحياة أقصر بكثير من أن أشغلها في قراءة أعمال رخيصة تاركًا ما هو أهم ،  ويتضح هنا أنني أوافق المنهج الذي أهِم لانتقاده بعد لحظات 🙂

لماذا حقًا لا نعطي فرصة للقراء والمؤلفين الجدد أو التجاريين كما نقول ؟ لماذا لا نعطي مساحة للقارىء أن يحدد ميوله واتجاهه بنفسه ، فنجبره على الأدب العالمي منذ البداية ، لا شك أن هذا سيصنع ذائقة جيدة ، ولكننا بنفس الوقت نقتل فيه روح التذوق وروح الاختيار وروح التفريق أو تحديد الشغف !

كيف بدأنا نقرأ ؟ ألم تكون بداياتنا قصص السلاسل و روايات الأرصفة وروايات الجيب ؟ حتى وصلنا لأعمال نوبل !

فعندما أمنع أحدهم من قراءة روايات هاري بوتر مثلاً ناصحًا إياه بترك أدب المراهقين هذا ليتوجه لكتابات عالمية كـ كتابات دوستويفسكي أو تولستوي ويوسا وبورخيس لأنها توجهات القارىء الأصيل والفذ !
ما الفائدة حينما نمارس هذا الحجر الفكري ونرسم هذه الحدود الثقافية بدكتاتورية يُفترض ألا ينتهجها المثقفون والمفكرون المتحررون  ، لماذا صارت هذه المعالم الثقافية مجرد بروتوكولات يجب على الجميع أن يسير عليها كي يستحق الإسم الأعظم “مثقف”  الذي أرى بأنه قد بدأ يقفد قيمته بعد أن كان من الصعب جدًا بلوغه !
لماذا نجعل من الجميع نسخًا متكررة منا ؟ فليبحث الجميع ، وليفكر الجميع ، وليختر طريقه بنفسه خارج حدودي وحدودك وحدود أي شخص ..!

لو  لم أكن قد كسرت هذا البروتوكول واكتشفت هذه الترجمة الرائعة التي بين يدي ، لبقيت ماشيًا في ترجمة شهيرة ، فقط لأن أحدهم أخبرني بانه يجب علي ذلك !

الكثير من الأشياء الجميلة تفوتنا وتفوت غيرنا داخل تلك المحاجر الفكرية ..
البيئة التي يكون بها الشخص ، السلطويات الثقافية ، التحزبات الإيديولوجية ، كلها تصنع محاجرًا فكرية في كثير من الأوقات.. وهذا شيء حزين جدًا.

اكتشف طريقك بنفسك ، فكر.

فـ الله وهبك هذا العقل لتستخدمه ، لا أن تستخدم عقول الآخرين وتركن عقلك جانبًا.

—-

إن أصبت فيما قلت فقد من الله علي بذلك أن وهبني هذا العقل ، وإن أخطأت فمن نفسي حيثما دائما توقعني بالخطأ 🙂

بأمان الله

محبكم الأزلي ، عوني.

Advertisements
 
2 تعليقان

Posted by في 2014/02/13 in Uncategorized

 

2 responses to “من الذي يرسم لنا حدودنا الفكرية والثقافية ؟!

  1. imane

    2014/02/14 at 12:13 ص

    كتبت فأجدت يا عوني و معك حق في كل ما ذكرت

     
    • iawni4

      2014/02/14 at 1:02 ص

      أشكرك يا سيدتي ، تعليقك على تدوينتي شرف عظيم .. أهلًا بك 🙂

       

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: