RSS

في عتمة العمى ، نشتم عبق العطر [مراجعة]

17 يناير

بسم الله الرحمن الرحيم

1234454

الكتاب الجيد ، تفكر فيه لعدة أيام .. يببقى أثره يعتمل في عقلك ساعات بعد الإنتهاء منه …ولكن الكتاب العظيم ! يؤثر بك لسنوات ، يعتمل في كل فكرة من أفكارك ..وربما يغيرك مدى الحياة !

فما نفع القراءة إن لم نكن ومع كل كتاب ، نكتسب فكرًا جديدًا ؟!
أكاد أقسم أنني بعد كل كتاب أو عدة أكتب ، يتغير شيئ ما في تفكيري ، كأن عقلي جنين في رحم أمه يتكون في كل يوم ، يتقلب في كل ساعة..ويركل أحيانًا بعنف ..عندما يركل عقلك (التفكير) قد تتعبك تلك الركلات ، وترهق رأسك ، قد تصيبك بصداع ، تؤرقك لـ ليال ،ولكنك ستكون حينها متأكدًا بأن طفلك حي ، ويكبر كل يوم!

إن لم تفعل بك القراءة كل ما سبق ، فعليك أن تعيد حساباتك في فكرتك عن القراءة وفي أهميتها لديك ، وفي غايتك منها ، وعلى العموم كل كلامي هذا قابل للاخذ والرد ، من أنا كي أمارس رقابة فكرية ؟!

أعظم الكتب من وجهة نظري الضعيفة والقاصرة -والمثيرة للشفقة ربما- ، هي الكتب التي تناقش قضية بشكل غير مباشر وتضطرك للبحث في الأعماق عمق كل فكرة ، كثيرًا ما حدثت الأصدقاء .. كيف أن أكثر القصص سطحية مرئيًا ، هي ما يحمل كميات كبيرة من الأفكار بالعمق !

ومشكلتنا حاليًا هي التعمق ، فالعمق صار مقلبًا عمل فيه الجميع ، بدل أن يكون ممارسة لها أوقاتها وأماكنها ، فصار كثير من الجيل المثقف الفقاعي الجديد ، دعاة للعمق ، فلا تفهم من كلامهم شيئًا ، مجرد صف للعبارات المنمقة والمبهمة ، ورش لعلامات التشكيل على كل كلمة ، ولا تفسير واضح لعدم ترابط الجمل ، ثم يأتي لك متبجحًا ويقول  لك : هذا كاتب عميق !

كثيرًا للأسف ما نطلق على بعض الكتابات أنها عميقة ، لمجرد أننا لم نفهمها ، فصرنا نخدع بكل نصف غير مفهوم وربما غير أدبي ، على أنه عميق !
التعمق في إيصال المعاني ليست وسيلة ولا مرحلة سهلة ليبتدعها أحدهم في ليلة أو ليلتين ، أو حتى من كتاب أو كتابين…
العمق هو الغوص في افكار النص ، بشكل يفهم سطحيًا أولا ، ثم يمكن البحث والغوص في أسباره لاستخراج أفكار عميقة ، وبالمناسبة ، فالنظرة التعمقية هي أمر نسبي جدًا ، فكل شخص سيرى النص الواحد ويفهمه بعمقه بعدة صور .. وهنا يكمن جمال الأفكار الخفية والنصوص العميقة ! ما يسمى بعملية ” العصف الفكري ” ..

لن أطيل في الكلام السابق ، لأنني أرى أنني بدأت أبتعد عن الهدف الأساسي من التدوينة …فلنعتبرها مقدمة وكان الله بالسر عليمًا ! :p

سأتكلم بداية عن رواية (العمى) للكاتب البرتغالي الحائز على جائزة نوبل للأدب (جوزيه ساراماقو) ..

3723-jose-saramago

من الأشياء التي أزعجتني بالبداية ، هي طريقة كتابة الرواية ، والتي ظننتها بالبداية حماقة من دار النشر ، كانت الجمل مرصوصة بلا ترتيب ولا علامات ترقيم ما عدا الفواصل ، ولكن اتضح لي بعد أن سألت صديقًا أن هذا هو أسلوب الكاتب ، جذبتني الفكرة كيف يمكن للكاتب أن يجعل له أسلوبًا خاصًا بالكتابة!

الرواية تناقش قضية وباء العمى ، نعم..وباء !

فبالرواية يظهر العمى فجأة وبلا سبب وينتشر .. وتبدأ رحلة العمى !
تظهر كل الصفات البشرية الغير مرغوبة ، يتفسخ الإنسان من نرجسيته المزعومة ، تظهر الصفات الحيوانية !
كيف يمكن للبشر أن يكون حيوانًا فقط مع فقدانه خاصية واحدة من خصائصه الإنسانية ..

الرواية تحمل أبعادًا كثيرة ، بعدًا سياسيًا ، وبعد فلسفي ، بعد اجتماعي وإنساني ، اقتصادي ..وكلما بحثت في أعماق المواقف ، خرجت بدروس عظيمة !
كيف يعتمل الطمع في النفس رغم شقائها ، كيف تعمل الشهوة والرغبة القذرة ..كيف يذل البشر !

لم يزعجني شيئ في الرواية ، سوى النهاية …لا أعلم حقًا ما مشكلتي كقارئ مع النهايات السعيدة ، لا أحب أن أراها ، كثيرًا ما تؤثر على تقييمي للكتب للأسف ، وأعلم أن هذه سلبية ، ولكن ربما لأنني لا أرى الحياة قائمة على السعادة الأبدية كما تصورها القصص… ولكن نهاية العمى لم تكن بهذا السوء ، بالعكس كانت تحمل فكرة عظيمة أيضًا !

وعلى الصعيد الآخر ، سأتكلم عن رواية (العطر) للألماني (باتريك زوسكيند)

11202010104012PM

تسحرني هذه الروايات التي تتكلم عن حاسة معينة ، أو حتى عن حرفة معينة !
كيف يجيد الروائي العظيم السباحة في أغوار اختصاص ما بهذه الاحترافية ؟!

تكلم هنا زوسكيند عن حاسة الشم ، كما تكلم ساراماقو عن حاسة البصر …
ولكن زوسكيند كان يتكلم عن العطارة باسهاب ، يشعرك بأنه عطار ابن عطار ..!

وكيف يصور لك بشخصية “غرينوي” النفس البشرية العارية من كل زيف ، حينما يتبع الإنسان شغفه ورغبته حتى نهاية المطاف !
وكيف أنه عند تحقيق الملاذ والرغبة ، يقف تمامًا ، تنتهي لديه كل معاني الحياة…
لقد أنجز غرينوي مهمته في هذا الكون ، غرينوي ذو الخاصية الخارقة في الشم…الخاصية الساحرة ، التي ستذهلك بين صفحات الرواية ..
المشاهد الايروتيكية في الرواية ، كانت تمثل من وجهة نظري النفس البشرية في غريزتها المحضة … التي تنكرها مثاليتنا المدعاة ربما ..
صديقي العزيز فهد الفهد وصف هذه الرواية قائلًا بأن العطر تعتبر ” فتحًا روائيًا” .. وصدق فعلًا  وعلقت كلماته في أذني ، فكل ما فيها هو عبارة عن حدث روائي لم أعهده من قبل بتاريخي القاصر والبسيط في قراءة الرواية …

هذه الروايات التي تنافش قضية بشرية معينة ، بحصافة ، وحبكة قوية .. لا تتطلب واقعية مثلى أبدًا ، كل ما تتطلبه هو قارئ يبحث في أغوارها كي يستخرج دروسه العظيمة بنفسه !

هذه الروايات التي تجعلك ترى كم يمكن للإنسان أن يكون حيوانًا ؟ وهو الحاصل في عصرنا ، فنحن نرى حيونة الإنسان بكل زمان ومكان ، متمثلة بالقتل ، بالشهوة ، وبالطمع ، وبكل خطايا البشر !

أشكر فن الرواية ..
هذه هي الروايات التي تدوم طويلًا ، التي لا تموت ، والتي أرغب حقًا بأن يكون عمل لي مصطفًا بجوارها ، على رفوف مكتبة التاريخ ..

إن أصبت فمن الله و إن أخطأت فمن نفسي

عوني 🙂

بأمان الله ~

Advertisements
 
أضف تعليق

Posted by في 2014/01/17 in Uncategorized

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: