RSS

ببليومانياك ، من ذكريات طفولة قارئ

05 مايو

بسم الله الرحمن الرحيم

حينما كنت صغيراً ، بالتحديد عندما بدأت مرحلتي الابتدائية…الأول الابتدائي…تعلمت قدرة لم أجد لها مثيلاً…وهي قدرة الإنسان على قراءة الحروف المرسومة والمكتوب ، لم ألبث كثيراً أن وقعت في حب ما يسمى القصص والمجلات المصورة !

للحظتي هذه لا أعلم كيف ، لا أذكر أو مرة أشتري فيها مجلة ، أو قصة .. لا أذكر بحق ، كأنما ولدت بهذه العادة !
لا أذكر أن أبي وأمي كانوا من القراء النهمين ، فكل ما كانوا عليه أب وأم يمارسون التربية ويعملون لإعالة أبناءهم…
لم أدر كيف اكتسبت محبتي لقراءة هذه القصص ومطالعة هذه الصور …

لم يلبث الأمر حتى صار إدماناً لدي ، لم أجد في يدي نقودا إلا وانطلقت لابتاع بعض القصص ، وأنتظر صدور عدة مجلات شهرية بفارغ الصبر…!
وكنت حينما أعود للمنزل بتلك القصة أو بتلك المجلة ، كأنما عدت حاملاً أثمن شيء بهذا الكون !
أتحرق شوقاً لمطالعة ما بداخلها…بل أتمزق !

لا أنسى فضل أمي الحبيبة ، لم تكن تتأفف أبداً من اصطحابي شهيراً للمكتبة التي كانت الموزع الرسمي لمجلاتي المفضلة ، وكانت تدفع لي بلا حسرة على ما دفعت ، مع أنها قد تدري أنها مجرد ترهات طفل صغير ربما !

وعموماً لم تكن المبالغ التي أصرفها كبيرة ، وهذا ما جعلني أعشق هذه المقتنيات ، كانت ثمينة ورخيصة بنفس الوقت !

أسمي ذاك الزمان ، بزمن الرخص العلمي ، كانت المجلة بالمتوسط لا تتجاوز 3 ريالات ، مما تباع الآن ب 5 و6 ريال ، وأما القصص القصيرة فكانت بريال واحد .. !

أتذكر مجلة ماجد ، وباسم ، وسنان ، وفارس ، وفراس ، وحاتم ، وسبيستون ، ومكي ، بطوط ، وكارتون نيتورك وغيرها الكثير مما اقتنينت !
وكيف أنسى قصص المكتبة الخضراء ، ومكتبة سمير ، والقصص العالمية التي أبحرت في جمالها ، فلا أنسى جاك وحبة الفاصوليا التي صعد على متن ساقها إلى قصر العملاق ، ولا أني قصة سندريلا وحذاءها ، وكيف أنسى فلة وأقزامها السبعة ، أم أنسى قصة الحمار الذي احتار الأب وابنه فيمن يمتطيه خشية كلام الناس !

resizeofpicture000kj8pg8images

أم هل أتناسى ، صديقي جحا الذي كثيراً ما أضحكني وأوسع مداركي ، وكيف بتأبط شراً الذي استمعت بقصته !
كثير من قصص المغفلين التي جعلتني أضحك في صغري ، كم كانت أياماً ممتعة !

أذكر الكثير من طفولتي ، وجلها كان بين صفحات المجلات والقصص ، التي كان لي فيها حياة ، حياة فقدها ذاك الصبي الذي لا ينتعل حذاء في قدمه ويلعب كرة القدم في الشارع ، أو ذاك الذي يمضي ساعات يومه حينها في محل ألعاب الشبكة !

كانت لي حياتي الخاصة مع أصدقائي شخصيات القصص ! كنت مهووساً بها !

لدرجة أنني أذكر قصة طريفة ، حينما كنت أعتزم شراء دراجة هوائية كأقراني ممن هم في سني ، حينما كان الذي يمتلك دراجة يدور بها في الشوارع ، كمن يمتلك سيارة حالياً 🙂
وعدتني أمي في تلك الفترة ، أن تشتريها لي إن أتيت بنسبة جيدة ، وقد كنت حينها في الصف الثاني الابتدائي…فتحمست وأتيت بالمطلوب، وفي طريقنا لشراء الدراجة ، رأيت عجوزا يفترش مجموعة من الكتب أمام محل الدراجات ، لمع في عيني كتاب ، وقد كان حينها كتاب بعنوان ” قصص الأنبياء للأطفال” ، وكزت أمي وأنا أمسك بيدها ، وقلت لها ، لقد غيرت رأيي… ما رأيك أن أشتري هذا الكتاب مقابل الدراجة ؟
طبعاً لم تجد أمي صفقة أفضل من التي عرضتها عليها ، خصوصاً انها كانت تمر بضائقة مالية حينها .. فمن يرفض أن يدفع ما يقرب 10 ريالا بدلاً من مبلغ يزيد على المائة ؟

فوافقت بلا تردد ، ولكني كنت أكثر سعادة منها ، كان هذا أول كتاب أقتنيه بحياتي ، 92 صفحة ، وبدون صور ! لم أفعلها بحياتي ، وأذكر أنني قراته بظرف أيام ! مالم تخني الذاكرة العتيقة..
ولا أزال أملك الكتاب وأملك أغلب مجلاتي وقصصي ! ولن أتخلى عنها يوماً…وعموما اشتريت دراجة بعدها حينما عاد الحنين 😛

كنت مهووساً ، أكره أن أعير كتبي ، اكره أن يلمسها إخوتي الصغار ، حتى أن يتصفحوها ! كنت أنانيا تجاه كتبي وممتلكاتي الثمينة هذه ! إلى أن جاءت الطامة الكبرى حينما كنت بالرابع الابتدائي ، أو الثالث ، لا أذكر…عدت من المدرسة…لأخرج صندوقي الذي يحوي كنوزي المصورة ..من تحت السرير ، لأمتع ناظري به..

حينما اقتربت، بدأت أرى أشلاء أوراق، وشضايا حبرية !
نعم ، كانت نصف المجلات وبعض القصص ممزقة !!
قد عاث بها أحدهم كما عاث المغول في بغداد !
لم أتدارك المصيبة…اصبت بحالة هستيرية من الغضب…ذهبت لأمي غاضباً متسائلاً !

من فعلها أماه ؟ من فعلها؟ من قتلها ؟ من قتلها ؟

فأجابت ببرود أعصاب ، بأن المجرم هو  أختي الصغيرة الجاهلة ، كم وددت لو أوسعها ضرباً حينها !
ولكنها كانت صغيرة…لا أذكر إن بكيت على فقدي أم لم أبك ، ولكنني كنت حزينا ، جداً…
استصلحت ما استصلحت ، ورميت الاموات من تلك الثمائن !

والآن أملك ما بقي ، وزيادة عليه ما جمعته طيلة السنوات ، في صندوق تحت مكتبتي ، التي صارت كلها كتباً وروايات ، لم أعد أقرأ المجلات والقصص القصيرة…فأنا الآن أبلغ الثامنة عشر من العمر ، ولكل عمر مدى إداراك يجب أن يتوسع بحسبه !

ولا أنفي ولعي الشديد بفن القصة والرواية ، كانت تلك التجارب التي خضتها في صغري …مما ساعدني كثيراً في تطوير أسلوبي في الكتابة ، خصوصا في كتابة القصص !

اكتسبت الكثير من المفردات ، وصرت أصوغ الكلام بلا حاجة لقاعدة -على السليقة-  ، رغم كسلي الواضح بمعرفة قواعد اللغة العربية ! ولكني اكتسبتها سماعيا كما يقال -أو عن طريق قراءتها بالمعنى الأصح – !

أنصح بشدة ، من لديه طفل صغير..أن يعوده على القصص القصيرة والمصورة ، عوده على القراءة ، فوالله انها متعة ! وما بعدها متعة !

لم أجد يوماً تفسيراً لتلك المشاعر التي امتلكها ، لقد انتقلي هوسي من المجلات والقصص ، ثم إلى الروايات الخيالية العالمية، ثم إلى الروايات المصرية للجيب الشهيرة – كرجل المستحيل – ثم صرت أقرأ لأجاثا كريستي ، ثم تطور الهوس حتى صرت مهووساً بالكتب !

لم أجد تفسيراً سوى من قريب ، مرض يسمى “هوس الكتب” أو ببليومانيا ، وببليومانياك هو من يعاني من هذا الهوس !
الببليومانياك هو شخض يحب الكتب ، ويحب منظرها ، ويكره أن يعبث بها أحدهم أو يستعيرها !

بالفعل هذا كله كان في داخلي منذ الصغر ، ولا زلت أكره أن أعير الكتب ، وأكره استعارتها ، لأن فراقها يصعب علي حينما اعيدها لصاحبها !
من هو المهووس بالكتب ؟ هو كما قرأت يوماً ، من يحترق بيته فلا يهب إلا لإنقاذ كتبه !
وهذا ما قد أفعله بعد أن أتأكد من سلامة أحبائي ، والآن أفكر كيف سأفارق كتبي بعد انتقالي لمرحلة الجامعة ! بالأصح ..أفكر كيف سأنقلها معي…

كم أتذكر كلمات العتاب ، حينما كنت أنفق الكثير من مصروفي على الكتب ، كنت متحمساً جداً ،فأشتري المجلدات التي الكبيرة والسلاسل الطويلة ، كأنني اردت امتلاك كل علم العالم ، وأين أنا من ذلك؟     وكيف يحرمني أحدهم من أنفق مالي فيما أحب ؟!

كيف أنكر أنني أبتهج بعبث أصابعي في صفحات الكتب ، وكيف أنكر النشوة التي تصيبني حينما أقرأ ، أي نشوة تلك هي؟! التي قد تفوق أي نشوة ، نشوةً ؟! كيف أنكر بهجتي العارمة حينما أتحسس كتبي في مكتبتي وهي تصطف بانتظام على رفوف مكتبتي ؟! وكأنها أفراد عائلة واحدة ، وأنا رب هذه العائلة !

كيف أنكر كل هذا ؟!

هل أنا مهووس ومريض بعد كل هذا ؟ إذا فليكن القارئ مريضاً ، ما دام حبه لكتبه مرضاً ! وهل يجب أن أبحث عن علاج ؟ كيف أعالج سعادتي ؟ أأحمق أنا ؟ لا أريد الشفاء من هذا المرض !

حالياً وحينما أشعر أنني اكتفيت من البوح فيما لم يعلمه أحد يوماً ، أشعر برغبة في عدم نشر هذه التدوينة ؟
بحق ، أشعر بأن هذا الكلام يجب أن لا ينشر ، أهو كلام مباح ككلام شهرزاد لشهريار ؟!

لا أدري إن كنت سأنشرها أم لا ، كل ما سافعله الآن أنني سأحفظ هذه التدوينة في المسودات!

إن رأيتها منشورة…فاعلم أنني غيرت رأيي ، ونشرتها بلا تعديل ! حتى الأخطاء الإملائية … فلتكن ما تكن 🙂

إن أصبت فمن الله ، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان

أخوكم : عوني :-D

بأمان الله :-)

Advertisements
 
أضف تعليق

Posted by في 2013/05/05 in Uncategorized

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: